إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

373

زهر الآداب وثمر الألباب

[ قولهم في الوعد ومنزلة إنجازه ] قال الجاحظ : قال أبو القاسم بن معن المسعودي لعيسى بن موسى : أيّها الأمير ؛ ما انتفعت بك منذ عرفتك ، ولا إلى خير وصلت منك منذ صحبتك ، فقال : ولم ؟ ألم أكلَّم لك أمير المؤمنين في كذا وكذا ؟ قال : بلى ! فهل استنجزت ما وعدت ، وعاودت ما ابتدأت ؟ فقال : حالت دون ذلك أمور قاطعة ، وأحوال عاذرة . قال : أيّها الأمير ، فما زدتنى على أن نبّهت الهمّ من رقدته ، وأثرت الحزن من ربضته ، إنّ الوعد إذا لم يصحبه إنجاز يحقّقه كان كلفظ لا معنى له ، وجسم لا روح فيه . وكلَّم منصور بن زياد يحيى بن خالد في حاجة لرجل ، فقال : عده قضاءها . قال : فقلت : أصلحك اللَّه ! وما يدعوك إلى العدة مع وجود القدرة ؟ فقال : هذا قول من لا يعرف موضع الصّنائع من القلوب ، إنّ الحاجة إذا لم يتقدّمها موعد ينتظر به نجحها لم تتجاذب الأنفس سرورها ؛ إنّ الوعد تطعّم والإنجاز طعام ؛ وليس من فاجأه طعام كمن وجد رائحته ، وتمطَّق به ، وتطعمّه ثم طعمه ؛ فدع الحاجة تختم بالوعد ؛ ليكون بها عند المصطنع حسن موقع ، ولطف محلّ . ووعد المهدىّ عيسى بن دأب جارية ، ثم وهبها له ، فأنشده عبد اللَّه بن مصعب الزبيري معرّضا يقول مضرّس الأسدي : فلا تيأسن من صالح أن تناله وإن كان قدما بين أيد تبادره فضحك المهدى ، وقال : ادفعوا إلى عبد اللَّه فلانة ، لجارية أخرى ؛ فقال عبد اللَّه بن مصعب : أنجز خير الناس قبل وعده أراح من مطل وطول كدّه فقال ابن دأب : ما قلت شيئا ، هلَّا قلت :